أحمد مصطفى المراغي
28
تفسير المراغي
قفى على ذلك بذكر ما يكون قبل هذا الجزاء من الحشر وبعض ما يكون في يومه من الحساب ، وإقامة الحجة على الكفار ، وسنة اللّه في إهلاك الأمم . الإيضاح ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ) أي ويوم يحشر اللّه تعالى الإنس والجن جميعا يقول لمعشر الجن منهم : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس أي استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال تعالى : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ؟ » . والمراد أنهم استتبعوهم بسبب إضلالهم إياهم فحشروا معهم ، لأن المكلفين يحشرون يوم القيامة مع من اتبعوهم في الحق والخير ، أو في الباطل والشر . ( وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ) أي وقال الذين تولوا الجن من الإنس في جواب الرب تعالى : ربنا تمتع كل منا بالآخر بما كان للجن من اللذة في إغوائنا بالأباطيل وأهواء الأنفس وشهواتها ، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذة في اتباع الهوى والانغماس في اللذات ، قال الحسن البصري : وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس ا ه . وفي الآية إيماء إلى أن كل إنسي يوسوس له شيطان من الجن بما يزيّن له من الباطل وبما يغريه من الفسق والفجور . فهذا الخلق الخفي الذي هو من جنس الأرواح الشريرة يلابسها بقدر استعدادها للباطل والشر ويقوّى فيها داعيتهما كما تلابس جنّة الحيوان الخفية ( الميكروبات ) الأجساد الحيوانية فتفسد مزاجها وتصيبها بالأمراض والأدواء ، فقد أثبت الطب الحديث دخول النسم ( النسم لغة : كل ما فيه روح ) الحية ( الميكروبات ) في الأجسام ، وعرفت الطرق والمداخل الخفية لدخولها بما استحدث من المناظير ( الميكروسكوبات ) التي تكبر